الخميس 24 جمادى الثانية 1438 هـ - 23 مارس 2017 م
لقد شكل صدور كتاب صدام الحضارات لمؤلفه صامويل هنتنغتون تضاربا كبيرا في الرؤى حول ما كان قد استند عليه العديد من المفكرين المختصين في مجال الدراسات المستقبلية، وعلى الرغم من كون الكتاب كان يستند إلى الكثير من الأحداث الراهنة إلا أنه نبه إلى أشياء لم تخطر على بال مفكري النصف الثاني من القرن العشرين.
في كتابه صدام الحضارات يرى هنتنغتون أن زمن الإيديولوجيا قد ولى وأن التفاعل العالمي سيكون مبنيا على طبيعة الحضارات وتاريخها، إلا أن تصنيفه للحضارات العالمية الكبرى لا يسند إلى المفهوم السائد حول الحضارة بقدر ما هو يستند على فكرة الدين، ولعل هنتنغتون كان يدرك وهو أولى بذلك أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الانقلاب على فوقية الحضارة الغربية، والتمرد على كل ما ساقته إلى الشرق من مزاعم الدونية ووجوب التبعية، وبالتالي لا شك أنه كان يدرك أن الصين ستكون مع مطلع القرن الحادي والعشرين القوة الاقتصادية والعسكرية في حين أن الدين الاسلامي هو ما يتزعم العالم على المستوى الفكري والثقافي.
قد يكون التقارب بين الدول تحكمه اعتبارات تاريخية محضة هذا لكون علاقات الدول مع بعضها تحكمها المصالح غير أن التقارب بين الشعوب لن يقبل للدين بديلا ليكون المقوم الأساسي الذي يبنى عليه الائتلاف أو الاختلاف، وبهذا فإن مسألة التاريخ ستكون بلا شك مسألة عارضة آيلة للزوال لأن تاريخ الأديان أرسخ في ذهن الشعوب من تاريخ السياسات لأن الدين –وبكل بساطة- يحمل بين طياته العديد من المقومات التي تشكل الهوية كاللغة والتاريخ، وهو القوة القادرة على تغيير الفرد بتغيير عاداته وتقاليده وأنماط تفكيره إذا كانت هذه الأشياء في حد ذاتها تتعارض مع ما تنص عليه النصوص الدينية، وزيادة على هذا فالدين وعلى مر التاريخ يعتبر هوية من لا هوية له وملجأ من لا ملجأ له، فهو المجال الواسع الذي يلم كل الأطياف دون أي اعتبار عرقي أو لغوي، ولا ننسى هنا الإشارة إلى أن الدين الإسلامي بالخصوص هو أوسع حلقة قادرة على ضم الأفراد وإعطائهم المكانة اللائقة بما يتوافق والمعنى الانساني الذي يندرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى".
فإذا كان هنتنغتون يدري من خلال تصنيفه للحضارات الانسانية التي ستفسر علاقات الشعوب والدول مكانة الدين في تصنيفه يبقى هناك سؤال نطرحه على القارئ: لماذا اختار هنتنغتون مصطلح صدام الحضارات ولم يصرح بصدام أديان؟